سعاد الحكيم

38

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )

يقول الجيلي في كتابه غنية أرباب السماع : « . . . واعلم أن المستمعين ، وإن اشتركوا في سماع مجرد الألفاظ ، فقد تباينوا في سماع معانيها . فربّ كلمة موضوعة لمعنى القرب ، قد فهم منها معنى البعد ، وبالعكس على قدر المقام والمستمع ( . . . ) ثم أعلم أن اختلاف الفهوم فيما يسمع ، منوط بمقام السامع ، كما تقدّم ذكره ، على قدر قابليته ، لا يحسن أن يتعدى مقامه ضرورة . ومن هنا وقع الخلاف بين سائر العالمين ، في جميع ما اختلفوا فيه ، لأن كلا يحمل المعنى على ما يقتضيه أمره . . . » « 1 » . إذن ، لقد دلّ الجيلي على أن الصراع على المعنى ينشأ من اختلاف الفهوم العائد إلى اختلاف القابليات ومواقع الأقدام في المعرفة والسلوك . يقول الجيلي : « . . . فأهل السماع مختلفون في حمل المعاني على قدرهم ، فما من يسمع في مقام التوبة ، كمن يسمع في مقام العبادة ؛ ولا من يسمع في مقام العبادة ، كمن يسمع في مقام الزهد ؛ ولا من يسمع في مقام التوكل ، كمن يسمع في مقام الرضى ؛ ولا من يسمع في مقام الرضى ، كمن يسمع في مقام المحبة ؛ ولا من يسمع في التلوين ، كمن يسمع في التمكين ؛ لأن الناس مختلفون في طلب اللّه تعالى ( . . . ) وكل سامع من هؤلاء له فيما يسمعه تأويل يليق بحاله » « 2 » . ثانيا - تعدد الفهوم وسلم المعاني : بعد أن توقفنا مع الجيلي مدللا على دور « مقام الشخص » في فهم المعنى ؛ نجده في مكان آخر يلملم هذا الانتشار للمعنى في سلّم رباعي . فيقسّم أرباب الطريق الصوفي إلى أربع فئات متراتبة ، تضم أصناف الأحوال والمقامات . وهذه الأربعة هي : مرتبة النسك ، ومرتبة السلوك ، ومرتبة الحب ، والأخيرة هي مرتبة الجذب . يقول ، مبينا اندراج أهل المقامات في هذه المراتب الأربع : « . . . وتجمع هذه الأصناف كلّها أربعة أجناس ؛ وهي : الناسك ، والسالك ، والمحبّ ، والمجذوب . لأن لفظة النسك تجمع العبّاد والزهّاد والمتوكلين وأمثالهم ، ولفظة السلوك تجمع أهل

--> ( 1 ) الجيلي ، غنية أرباب السماع ، ق ق : 76 ظ - 77 ظ ( نقلا عن غنيمي ص 324 ) . ( 2 ) م . ن ، ق ق : 78 و - 79 و .